مقالات الأزل
بودكاست «مُعلِّم».. نحو استعادة جوهر التعليم وبناء الإنسان
يشهد واقعنا التعليمي اليوم تسطيحاً وتراجعاً واضحاً عن أهدافه الحقيقية. ولأن الوقوف عند حدود النقد وتشخيص المشكلات لم يعد كافياً، قررت الانتقال إلى مساحة التغيير الفعلي.
ومن هنا، أضع بين أيديكم ثمرة مشروع عملت بشغف على ابتكاره وإعداده: بودكاست «مُعلِّم».
يقوم هذا البرنامج على فكرة جوهرية: نقل التعليم من واقعه المتدني إلى حقيقته الراقية. حيث نستضيف فيه شخصيات تربوية وأكاديمية أخذت على عاتقها بناء الإنسان لتصديره للمجتمع كفرد نافع وقائد مستقبلي.
سأكتفي بإدارة العمل من خلف الكواليس فكرةً وإعداداً، تاركاً دفة الحوار للأستاذ محمد حسن الجوراني، مدرس اللغة العربية في مدارس ومعهد الأزل. اختياري له استند إلى مقومات يفرضها حضوره؛ بدءاً من حسن المنطق واللسان الطليق، وصولاً إلى طاقته الشبابية التي تمثل نبض الجيل الحالي وتمكنه من إدارة هذا الحوار ببراعة. ولأن الصورة تكمل الكلمة، وضعت الإخراج الفني لهذا العمل بين يدي المبدع (علي وسام). فاعتمادي عليه لم يأتِ لجودته الفنية العالية فحسب، بل لأنه يشاركني ذات الرؤية في تشخيص الواقع التربوي، ويمتلك حساً عالياً في التمييز بين الصالح والطالح في هذا الميدان، ليوظف أدواته في صناعة صورة تليق برسالتنا.
ولتكون البداية بحجم الطموح، اخترنا قامة تجسد "الأنموذج الحقيقي للمعلم". ضيف حلقتنا الأولى هو الأستاذ نافع يعقوب يوسف، مدير ثانوية الأزل للبنين، والمدير السابق لثانوية الشهيد طالب السهيل للمتميزين. هذا القائد التربوي تسبقه خبرته الطويلة وأمانته وسمعته العطرة أينما حل، وهو خير من يفتتح معنا هذه الرحلة.
بودكاست «مُعلِّم» هو امتداد طبيعي لجهود مستمرة في الميدان التربوي. آخر هذه الجهود كان بحثي الموسوم (المشكلات النفسية والسلوكية التي تواجه طلبة السادس في الدروس الخصوصية)، والذي صممته للغوص في عمق الميدان وفهم المعاناة الحقيقية لصياغة حلول فعلية، بعيداً عن كونه مجرد متطلب أكاديمي.
هذه المعرفة الميدانية ترجمناها لاحقاً إلى واقع عبر برامج تعليمية تجريبية، مثل برنامج (١٠٠+) لطلبة المدارس المتميزين في معهد الأزل، وبرنامج (أبعد من التعليم) لطلبة الثانوية في مدارس الازل والذي نتبنى فيه استراتيجيات التعلم النشط. كل ذلك ينبع من اهتمامنا بتطوير الملاكات التعليمية، لإنعكاسه المباشر على مهارات الطلبة ودفعهم نحو التعلم الذاتي وتحقيق جوهر التربية.
لجوؤنا للإعلام اليوم هو خطوة للوصول المباشر إلى الشريحة الأوسع: الطالب، الأهل، المعلمون، والمؤسسات التعليمية الاهلية والحكومية . حيث نستهدف مجتمعاً بأكمله لتحسين جودة التعليم يمتد الى خارج أسوار المدارس. فالأمم التي نهضت اقتصادياً وأمنياً، أدركت جيداً أن التربية والتعليم هي النواة الأولى لزرع الأفكار العظيمة ومواجهة الأفكار الهدامة.
في "بودكاست مُعلِّم"، ننتقي ضيوفنا بدقة من وسط الضجيج الذي يملأ هذا المجال. نختار من هم "معلمون بحق"، ونعزل أنفسنا عن تجار التعليم الذين شوهوا رسالته وأبعدوا أبناءنا عن مغزاه الحقيقي.
مسيرتنا نحو التعليم الحقيقي بدأت، وندعوكم لتكونوا جزءاً منها.